الشيخ محمد هادي معرفة
252
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
كلّ أخٍ له ، فيستعلم من تأثير كلّ واحدٍ عند الدخول عليه حالته الخاصّة وما يظهر على أسارير وجهه وحركات عينيه حين رؤية شقيقه من امّه بنيامين . « 1 » ولعلّ يعقوب استشعر من ردّ العزيز إخوته ليأتوا بأخٍ آخر لهم من أبيهم ، أنّه هو يوسف . فحاول بهذه التجربة معرفة شخصية العزيز ولعلّه يوسف نفسه . الأمر الذي لا يُعلم إذا دخلوا عليه كلّهم جماعةً واحدةً . ومن ثمّ لمّا دخل عليه أخوه بنيامين آواه وأفشى نفسه لديه . الأمر الذي يدلّ على دخوله عليه لوحده . فقد تحقّق تدبير يعقوب في تفرّسه . وهذا يدلّ على فراسة يعقوب القوية ، حيث يقول عنه تعالى : « وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ » « 2 » أي ذو فراسةٍ قوية . قال إبراهيم النخعي - وهو تابعيّ كبير - : إنّ يعقوب عليه السلام كان يعلم بفراسته بأنّ العزيز هو ابنه يوسف إلّا أنّ اللّه لم يأذن له في التصريح بذلك . فلمّا بعث أبناءه إليه أوصاهم بالتفرقة عند الدخول وكان غرضه أن يصل بنيامين وحده إلى يوسف في خلوةٍ من سائر إخوته . « 3 » وقوله تعالى : « ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها » « 4 » يعني : إنّ هذا التدبير الذي قام به يعقوب لم يكن يغيّر من المصلحة التي رعاها اللّه بشأنه ، ولكن كانت تلك بغية أملٍ في نفس يعقوب ، قضاها اللّه رعايةً لجانبه العزيز على اللّه . وممّا يبعّد إرادة إصابة العين - إضافة على ما ذكرنا - أنّ التحرّز من ذلك لا يتوقّف على الدخول من أبوابٍ متفرّقة ، بل يكفي الدخول متعاقبين وفي فترات . ثمّ إنّهم كانوا يدخلون مصر في جمعٍ غفيرٍ من رفقة القافلة الحاشدة بالأحمال والأثقال ، فكيف يعرف الناس أنّ هؤلاء إخوة من أبٍ واحد ؟ وكذا قوله تعالى : « وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ . . . » .
--> ( 1 ) - راجع : تفسير المراغي ، ج 13 ، ص 16 . ( 2 ) - يوسف 68 : 12 . ( 3 ) - راجع : التفسير الكبير ، ج 18 ، ص 174 ؛ والدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 557 . ( 4 ) - يوسف 68 : 12 .